+971 557770572 Info@monarashdanlawfirm.ae

مقالات قانونية

تاريخ القضاء في الإمارات

صدر قبل أيام كتاب جديد للدكتور عارف الشيخ، هو تاريخ القضاء في الإمارات، يقع الكتاب في مجلدين من الحجم الكبير، ويتألف الكتاب بجزأيه من 1148 صفحة .

طُبع الكتاب طباعة فاخرة من حيث الغلاف الخارجي والورق الداخلي والترتيب والتنظيم والإخراج، ويحمل الغلاف مجموعة صور لمشاهير القضاة من مختلف إمارات الدولة .

قدم للكتاب ستة أقلام من رجالات الدولة المشهود لهم بالعلم والفضل والنُبل والإخلاص والوفاء وحب العمل .

وفي التقديم الثاني نقرأ للدكتور عبدالله عمران تريم وزير العدل سابقاً قوله: لا عجب أن يأخذ هذا الجهد سنوات عشرا من البحث، فتاريخ القضاء لم يدون، والمراجع ضئيلة، وحين يتصفح القارئ هذا الكتاب، يجد أن المؤلف سهل عليه مهمة البحث . وبما أن المؤلف محيط بالشرع والأدب فقد جمع في بحثه تاريخ القضاة وأشعارهم وطرائفهم مما يفيد القارئ .

وفي التقديم الثالث يقول الأستاذ إبراهيم بوملحة المستشار الثقافي والإنساني لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: الدكتور عارف الشيخ له نتاج طيب في بعض مجالات توثيق التراث، ومن أهم ما يتصدى لتوثيقه في هذا الشأن موضوع القضاء في الإمارات، وحسناً فعل عندما تحدث عن القضاء في جميع الإمارات، رغم صعوبة التقصي ونُدرة المعلومات في هذا الشأن .

وفي التقديم الرابع يؤكد الدكتور أحمد سعيد بن هزيم المدير العام لمحاكم دبي قائلاً: هذا الكتاب هو الفرصة الأخيرة التي ستقدم للأجيال القادمة عسى أن تغفر التقصير الذي وقع في مجال حفظ تاريخ القضاء في الإمارات، هذا الكتاب بما يحويه من معلومات قيمة عن رجالات القضاء، يضع بين أيدينا مرجعاً سيكون الوحيد من نوعه للمهتمين بمعرفة تطور القضاء عبر حُقبة تاريخية تلاشت معظم معالمها .

وفي التقديم الخامس نرى الأستاذ والكاتب عبدالغفار حسين يقول: الدكتور عارف الشيخ الشاعر والفقيه والباحث الإماراتي المعروف، في مقدمة الذين يسْدُون لمجتمعهم الخدمة الثقافية، وقد عرض مسودة كتابه هذا على جملة ممن توسم فيهم شيئاً من المعرفة، وأجد اسمي ضمن أولئك، وهذه الطريقة شيء حسن، لأنه يدعم المؤلف فيما يثبته في كتابه .

وفي التقديم السادس يقول الأستاذ علي محمد المطروشي مستشار التراث والتاريخ المحلي في دائرة التنمية السياحية بعجمان: تميز هذا الكتاب بعدد من المميزات، يمكن إجمالها في: الشمولية، والتحقيق، وإعطاء الأولوية للمصادر الشفاهية، وسهولة اللغة وجمال الأسلوب، وغناه باللوحات التوضيحية من صور الشخصيات والوثائق .

ومع ذلك فقد استطاع أن يقوم بمسح شامل للإمارات السبع كلها، ويلتقي بمن تبقى من القضاة، ويحاور الذين عاصروا حقبة ما قبل الاتحاد بالذات، كل ذلك ليسجل في النهاية في هذا الكتاب ما لم يستطع مَنْ قَبلَه أن يضعوه بين يدي القراء .

ففي الكتاب أكثر من خمسمئة صورة ووثيقة لمختلف طبقات القضاة ومعاوني القضاة، عزّز بها المؤلف ما كتبه عن عشرات القضاة ومعاوني القضاة في فترة القضاء شبه النظامي ثم بدايات القضاء النظامي .

ومما يُسَهل على القارئ والباحث أن المؤلف قسم بحثه بحسب إمارات الدولة، وفي كل إمارة يبدأ بذكر سلسلة نسب الحكام أولا لما له من أهمية في ربط القضاة بمن عاصروهم من الحكام .

فبعضهم عاصر عددا من الحكام في عهود مختلفة، كالشيخ علي بن سالم بوملحا من علماء الظفرة الذي عاصر كلا من الشيخ طحنون بن شخبوط والشيخ خليفة بن شخبوط والشيخ سعيد بن طحنون والشيخ زايد بن خليفة، لأن بوملحا عاش في الفترة من 1825 إلى 1900 تقريبا .

ثم ذكر المؤلف مشاهير القضاة ثم معاوني القضاة وهم علماء أو خطباء وأئمة مساجد لم يتولوا القضاء رسميا، لكنهم كانوا يكلفون من قبل الحكام أو من قبل القضاة في قضايا صلح أو توزيع إرث أو نكاح مثلا، من أمثال جمعة بن محمد المطوع في الشارقة .

كما تطرق المؤلف إلى ذكر الجانب الإداري والتنظيمي للقضاء الحديث في الإمارات، ويتضح ذلك جليا في إمارة دبي والحديث عن السيد محمد جعفر السقاف الذي يعد بحق مؤسس القضاء النظامي الحديث في دبي .

ورغم أنه ركز على القضاء الشرعي باعتبار أنه الأصل في المنطقة، إلا أنه تطرق إلى القضاء العُرفي (قانون البحر) والمدني أيضاً، وذكر لكل من القضاء الشرعي والعُرفي والمدني رواده، ممن كان لهم دور في التأسيس والتنظيم، كأحمد حارب قاضي العرف في محاكم دبي، وعدي البيطار مؤسس القضاء المدني في دبي، وصالح فرح مؤسس القضاء المدني في أبوظبي وهكذا .

ومهد للحديث عن القضاء في الإمارات بالإشارة إلى العهود المتعاقبة، ومواصفات القاضي عموماً، ثم نبذة عن القضاء في الإمارات، ثم ذكر مصطلحات خاصة بالقضاء، وخصص باباً مستقلاً للأوائل في تاريخ القضاء في الإمارات، وهو باب مهم لأنه يعطي القارئ ومضات سريعة تطلعه على مراحل تطور القضاء في الإمارات .

والمتأمل في تاريخ القضاء في الإمارات، يجد أن المنطقة لم تَخلُ من العلماء والفقهاء، ففي الظفرة كانت عائلتان مشهورتان بالعلم والقضاء هما آل مجرن وآل بوملحا، وفي أبوظبي ودبي وبخا كان آل الخزرج . أضف إلى ذلك مشاهير القضاة الذين وُجِدوا أمثال الشيخ محمد بن عبدالسلام المغربي والشيخ عبدالرحمن بن حافظ والسيد الشنقيطي والشيخ مبارك بن علي والشيخ علي الجناحي والسيد السقاف في دبي .

والشيخ عبدالرحمن بن فارس والشيخ محمد أبوالهدى والشيخ سيف المدفع والشيخ محمد بوخاطر في الشارقة .

والشيخ عبدالكريم البكري والشيخ عبدالله الشيبة والشيخ حمد المحارب في عجمان . والشيخ بن بهيو والشيخ بن عتيق في أم القيوين .

والشيخ أحمد حمد الرجباني والشيخ عبدالعزيز الرجباني والشيخ محمد سعيد غباش والشيخ أحمد بن حجر والشيخ عبدالله سلمان والشيخ بن فلاو والشيخ أحمد المناعي في رأس الخيمة، وغيرهم كثيرون بإمكان القارئ أن يقرأ عنهم .

ومما يجعل القارئ لا يَمَلّ قراءة هذا الكتاب، أن المؤلف لا يتناول القضاة من جانب واحد فقط، بل يشملهم بحديثه عنهم فيذكر حياتهم العلمية والأدبية والاجتماعية وعلاقاتهم بشيوخ الإمارات وحكام منطقة الخليج، لذلك فإنك تقرأ للقضاة طرائف ونوادر وقصائد بجانب قضاياهم ومسائلهم الفقهية .

وتقرأ في الكتاب الكثير من المقارنات بين الأمس واليوم، مما يبين لك بساطة الماضي وتعقيدات اليوم التي هي شَر لا بُد منها، فالقضاء اليوم لم يعد شرعياً ومحصوراً في البيت والمسجد، بل أصبحت مباني شامخة وأروقة وقاعات تضج بمئات من القضاة والمحامين، والقضايا تعرض بالآلاف، وتأخذ شهورا وسنوات حتى ينتهي البت فيها .

ونلاحظ أيضاً في أثناء تصفحنا للكتاب، أن القضاة كانوا رجالاً فقط، واليوم أصبح الجنسان يتنافسان في قاعات المحاكم، وهكذا المحامون والموظفون والمأذونون حيث صاروا من الجنسين .

وخلاصة القول إن كتاب تاريخ القضاء في الإمارات يوثق لنا القضاء شبه النظامي في المنطقة بدءا بالقرن التاسع عشر الميلادي حسب المعلومات والوثائق المتوافرة، واستمر حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين .

وفي بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ القضاء النظامي، وكانت دبي هي السباقة ثم الشارقة ثم أبوظبي، وتم ذلك باتفاق بين شيوخ المنطقة والإنجليز الذين أدركوا أن القضاء المحلي لابد منه، فبريطانيا كانت تنظر في قضايا رعاياها من الإنجليز وغيرهم، أما المسلمون فلابد أن تنظر في قضاياهم محاكم خاصة بهم .

والكتاب يبين لنا أن في فترة القضاء شبه النظامي، كان القضاء شرعياً بحتاً، ويلاحظ بين دبي وبين أبوظبي التقارب من وجه، حيث إن كلاً منهما كانت تعتنق المذهب المالكي، ومن ثم فإنهما استعانتا بالقضاة المغاربة والسودانيين والموريتانيين .

أما الشارقة والإمارات الأخرى، فاستعانت بقضاة من منطقة نجد أيام الإمارات المتصالحة، ومن السعودية عموماً بعد قيام الاتحاد فيما يخص القضاء الشرعي، والسبب أن المذهب الحنبلي يجمعهم، ولا يزال قضاة من السعودية على رأس عملهم في الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة بجانب قضاة من مصر وفلسطين والسودان والمغرب .

كما يوثق الكتاب أن تقسيم المحاكم إلى ابتدائية واستئناف وتمييز عمل مستحدث، لكن كان في السابق ما يشبه الاستئناف والتمييز، ففي دبي كان الشيخ مبارك بن علي الشامسي تُعرض عليه أحكام القضاة من دبي والشارقة، فينظر فيها على أنه استئناف، وكان حكمه غير قابل للطعن فيه .

وظهر أول قاض مواطن للتمييز في أبوظبي مع بداية الاتحاد، وهو الشيخ أحمد بن عبدالعزيز آل مبارك الذي رأس دار القضاء في أوظبي حتى توفي .

وممالاشك أن حكامنا الكرام عبر الحقبة الماضية، كان لهم أكبر الأثر في رعاية القضاء والمحافظة على حقوق الناس، فهم لم يكتفوا بالقضاة الشرعيين فقط، بل استعانوا بآخرين أيضا ممن توسموا فيهم الحكمة وحب الخير والإصلاح، من أمثال الشيخ أحمد بن هلال الظاهري الذي كان يمثل الحاكم في المنطقة الشرقية، والشيخ حشر بن مكتوم الذي كان يمثل الحاكم في الأمور القضائية والإصلاح في دبي .

وشيوخ الإمارات كلهم مشهود لهم بالنزاهة والنبل وحب الشعب، وقد أشار المؤلف إلى عدد منهم من أمثال: الشيخ ذياب بن عيسى وشخبوط بن ذياب وزايد بن خليفة وشخبوط بن سلطان وزايد بن سلطان في أبوظبي .

وفي دبي الشيخ مكتوم بن حشر والشيخ سعيد بن مكتوم والشيخ راشد بن سعيد والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم .

وفي الشارقة الشيخ سلطان بن صقر والشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي .

وفي رأس الخيمة الشيخ رحمة بن مطر والشيخ صقر بن راشد والشيخ سلطان بن صقر والشيخ سالم بن سلطان والشيخ سلطان بن سالم .

وبما أن منطقة ساحل عمان الشمالي (دولة الإمارات اليوم) كانت متداخلة وقريبة من بعضها، فإن القضاة والعلماء أينما وجدوا كانوا ينظرون في القضايا التي تعرض عليهم بحكم الجوار، لذلك فإن كتاب تاريخ القضاء في الإمارات ذكر عددا من قضاة خصب وبخا ودبا أيضا .

بل أكثر من ذلك كانوا يستعينون بعلماء خارج المنطقة أيضا كبلدة لنجة المجاورة وهي كانت حاضرة العرب في برفارس وعاصمة تجارتهم قبل ان تنتقل إلى دبي .